عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

202

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

أحدا ، إن اللّه يستحي من ذي شيبة ، إن اللّه كريم ، حاشا الكريم أن يطالب بحقه وأمثال ذلك ، حتى ينقلهم عما كانوا عليه من الصلاح إلى الفسق ، فعند ذلك يحلّ بهم البلاء والعياذ باللّه منه . المظهر الرابع : النيات والتفاضل بالأعمال يظهر فيها على الشهداء ، فيفسد نياتهم لتفسد أعمالهم ، فبينما أن العامل منهم يعمل للّه تعالى يدسّ عليه شيطانا في خاطره يقول له : أحسن أعمالك فالناس يرونك لعلهم يقتدون بك ، هذا إذا لم يقدر أن يجعله رياء وسمعة ليقال فلان كذا وكذا ، فإنه يدخل عليه من حيث الخبر ثم يأتي إليه وهو في عمل ، مثلا كقراءة قرآن يقول له : هلا تحجّ إلى بيت اللّه الحرام وتقرأ في طريقك ما شئت ، فتجمع بين أجرى الحج والقراءة حتى يخرجه إلى الطريق ، فيقول له : كن مثل الناس أنت الآن مسافر ما عليك قراءة ، فيترك القراءة وبشؤمه ذلك قد فوته الفرائض المفروضة المكتوبة ، وقد لا يبلغ الحجّ ، وقد يشغله عن جميع مناسكه بطلب القوت ، وقد يورثه بذلك البخل وسوء الخلق وضيق الصدر ، وأمثال ذلك من هذا كثير ، فإنه من لا يقدر أن يفسد عليه عمله يدخل عليه عملا أفضل مما هو عليه حتى يخرجه من العمل الأول ولا يتركه في الثاني . المظهر الخامس : العلم يظهر فيه للعلماء ، وأسهل ما على إبليس أن يغويهم بالعلم ، قيل إنه يقول : واللّه لألف عالم عندي أسهل من أميّ قويّ الإيمان ، فإنه يتحير في إغوائه ، بخلاف العالم فإنه يقول له ويستدل عليه بما يعلمه العالم أنه حق فيتبعه فيغوي بذلك ، مثلا يأتي إليه بالعلم في محل شهوته فيقول له : اعقد بهذه المرأة على مذهب داود وهو حنفي ، أو على مذهب أبي حنيفة بغير وليّ وهو شافعي ، حتى إذا فعل ذلك وطالبته الزوجة بالمهر والنفقة والكسوة ، فإنه يجوز للرجل أن يحلف لامرأته حتى يرضيها ولو كذبا ، فإذا طالت المدة ورفعته إلى الحاكم يقول له : أنكر أنها زوجتك فإن هذا العقد فاسد غير جائز في مذهبك ، فليست لك بزوجة فلا تحتاج إلى نفقة ولا إلى غيرها فيحلف ويمضي ، وأنواع ذلك كثيرة جدا لا تحصى وليس لها حد ، بل ليس يسلم منه إلا آحاد الرجال الأفراد . المظهر السادس : يظهر في العادات وطلب الراحات على المريدين الصادقين فيأخذهم إلى ظلمة الطبع من حيث العادة وطلب الراحة حتى يسلبهم قوّة الهمم في الطلب وشدة الرغبة في العبادة ، فإذا عدموا ذلك رجعوا إلى نفوسهم ، فصنع بهم ما هو صانع بغيرهم ممن ليست له إرادة ، فلا يخشى على المريدين من شيء أعظم مما